محمد الريشهري
168
موسوعة معارف الكتاب والسنة
جهودهما للحؤول دون بروز الاستئثار والفردية والاستبداد بين قادة النظام الإسلامي الجديد ، وبذلا ما بوسعهما لوأد هذه الخصلة الخطيرة المدمّرة ، حتى بلغ من حرص نبيّ اللَّه صلى الله عليه وآله على محاصرة هذه الآفة الخطيرة ، أنّه كان يتحرّز عن كلّ ما يمكن أن تفوح منه رائحة هذه الخصلة الذميمة ، حتّى أنّه لم يكن يسمح لأحد أن يقدّمه على نفسه في شيء . من الأمثلة البليغة الدالّة على سعي النبيّ لمكافحة هذه الآفة واجتثاث أدنى ما يمكن أن يمتّ إليها بصلة ، رفض النبيّ صلى الله عليه وآله أن يتناول من رجل شسعاً من نعله قدّمه إليه ، بعد أن انقطع شِسْعُهُ صلى الله عليه وآله وهو يطوف بالبيت ، قائلًا في جوابه : هذِهِ أثَرَةٌ ، ولا أقبَلُ أثَرَةً . « 1 » عندما ننتقل إلى حياة أهل بيت رسول اللَّه - صلوات اللَّه عليه وعليهم - ، نجدها تتألّق بسيرة لا ترفض الاستئثار والفردية وتصرّ على اجتنابهما فحسب ، بل تسجّل إيثارهم بحقوقهم الخاصّة أيضاً . من هنا يبدو أنّ دراسة السيرة العملية لهؤلاء الكرام والتعرّف عليها في مجال مكافحة الاستئثار وإيثار الآخرين مهمّة تربوية عاجلة حافلة بالعظات والعبر خاصّة للقادة والحاكمين . لكن وا أسفاه ! فقد تنكّب قادة الامّة الإسلامية عن هذا الصراط السويّ ولم يتّبعوا سيرة هؤلاء الكرام ولم يقتفوا منهاجهم ، فكان المآل كما أخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وتنبّأ به إذ ابتُلي هؤلاء بالاستئثار ، ونزل بالإسلام والمسلمين ما نزل بهما في وقائع التاريخ الفجيع !
--> ( 1 ) . راجع : ص 181 ح 103 .